الأخبار

التقرير السياسي للأخ محند العنصر الأمين العام للحركة الشعبية أمام المجلس الوطني المنعقد يوم 07 أبريل 2012 بالرباط

تحية مودة وإخلاص لكن، ولكم الأخوات والإخوة عضوات وأعضاء المجلس الوطني، ومن خلالكم إلى كافة الحركيات والحركيين في مختلف ربوع المملكة، وخارج التراب الوطني.

تحية إجلال وتقدير للأجيال الحركية التي ساهمت بتضحياتها الجسام، وغيرتها الوطنية الصادقة، في توهج المسار السياسي والنضالي لحزبنا، ليصبح اليوم كما كان بالأمس، رقما سياسيا صعبا في المشهد الوطني، حزب تغلب على المحن وأثبت للخصوم والأصدقاء أن الضربات التي تلقاها ويتلقاها لن تزيده إلا إصرارا وثباتا في المضي نحو تحقيق مشروعه المجتمعي الذي حدد أهدافه منذ البداية في بناء مجتمع الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

*التجربة المغربية المنفردة

تنعقد هذه الدورة العادية للمجلس الوطني في سياق تحولات نوعية عاشت بلادنا على إيقاعها خلال سنة 2011، والتي كانت حافلة بأحداث مهمة رسخت الاستثناء المغربي، وجسدت التجربة المغربية المنفردة والمتميزة في الانتقال السلس والمتدرج نحو الديمقراطية الحقيقية على الأسس الصلبة للإصلاحات الكبرى التي باشرتها بلادنا خلال العقدين الأخيرين، والتي جعلت من هذه التجربة نموذجا يحتذى ومرجعا يقتدى به على مستوى العدالة الانتقالية وتبني المنظومة الكونية لحقوق الإنسان.

*المغرب نجح بفضل التحام العرش والشعب

لقد استطاعت بلادنا على امتداد عقود ما بعد الاستقلال، تحصين جبهتها الداخلية، وترسيخ ثوابتها ومقدساتها الوطنية والمحافظة على إرثها التاريخي، ومقوماتها الحضارية في الوقت الذي تخبطت فيه العديد من الدول في دوامة التجاذبات السياسية والإيديولوجية في زمن الحرب الباردة وما ترتب عنها من تداعيات مست البنى الاجتماعية والثقافية للمجتمعات، وخلقت أجواء من الاحتقان والاضطرابات في سياق البحث عن الأنظمة السياسية التي تناسبها وتضمن لها الاستقرار والتماسك الاجتماعي، وهذا هو ما يشكل قوة وتميز المغرب الذي نجح بفضل التحام العرش والشعب في إحباط كل الدسائس والمناورات التي استهدفته، وحاولت النيل من أمنه واستقراره، استنادا إلى اختياراته الإستراتيجية المتمثلة في بناء دولة المؤسسات واعتماد التعددية السياسية وتشجيع المبادرة الحرة.

هذه الاختيارات التي آمنت بها بلادنا واستلهمتها منذ فجر الاستقلال هي التي شكلت اليوم شرارة الربيع العربي والمغاربي والتي عصفت بالأنظمة الشمولية التي تبنت خيار الحزب الواحد، أو تلك المستبدة والمقنعة بقناع التعددية الصورية والمزيفة، والتي أمعنت في قهر شعوبها ومصادرة حقها في الكرامة والحرية والعيش الكريم.

وإذا كان الحراك العربي والمغاربي الذي عاشت ولا تزال تعيش أطواره منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد أعاد طرح السؤال حول نموذج الدولة ونظامها السياسي وهويتها الوطنية من جديد، فإن الوضع يختلف تماما بالنسبة لبلادنا، ذلك أن الحراك الذي عرفته مختلف مناطقها منذ 20 فبراير من السنة الماضية كان حراكا بمطالب سياسية واجتماعية محددة تمحورت حول الإصلاحات الدستورية ومحاربة الفساد والتوزيع العادل للثروات اجتماعيا ومجاليا.

وقد عكست المسيرات والمظاهرات الشعبية الحس الحضاري للشعب المغربي والتعامل السلمي والمسؤول للقوات الأمنية.

ومرة أخرى اثبت المغرب قدرته على الفعل والمبادرة لمن كان يراوده الشك في إرادته القوية، وانخراطه في استكمال الصرح الديمقراطي في انسجام تام مع ثوابته ومرتكزاته، بحيث بادر جلالة الملك نصره الله إلى التجاوب مع كل المطالب في خطابه السامي والتاريخي لـ 09 مارس والذي شكل بحق خارطة طريق واضحة للإصلاحات الدستورية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بمنظور شامل ومتقدم وبأجندة زمنية مضبوطة.

*ورش الإصلاح الدستوري

وفي وقت قياسي، وبفضل انخراط القوى الحية والوازنة على الصعيد الوطني في ورش الإصلاح الدستوري، تم إعداد مشروع الوثيقة الدستورية التي استمدت مرجعيتها من التوجيهات الملكية السامية لخطاب 09 مارس ومن مقترحات الأحزاب السياسية والمركزيات النقابية ومنظمات المجتمع المدني، وهو ما جعل هذا المشروع يعكس إجماع الشعب المغربي حول الآفاق المستقبلية للإصلاحات والمرجعية القانونية التي ستؤطرها بموجب المقتضيات التي تضمنها الدستور الجديد.

على هذا الأساس واستنادا للمقاربة التشاركية التي تم من خلالها إعداد مشروع الدستور، عاش المغرب ملحمة ديمقراطية وثورة جديدة بين العرش والشعب، توجت باستفتاء فاتح يوليوز، وحظيت بإشادة دولية ودعم قوي من طرف شركاء بلادنا.

وبعد إقرار دستور فاتح يوليوز، كان لابد لبلادنا أن تمر إلى مرحلة تنزيل مقتضياته ومضامينه، لذلك تم إجراء انتخابات تشريعية سابقة لأوانها من أجل تشكيل حكومة جديدة على أساس المنهجية الديمقراطية، لتباشر إعداد مشاريع القوانين التنظيمية المكملة للوثيقة الدستورية، ولتقوم بواجبها الدستوري في تدبير الشأن العام، وفق الصلاحيات الموسعة التي خولها لها الدستور الجديد، والتي سيكون لها الأثر الإيجابي على مستوى خلق الانسجام بينها وبين المؤسسات والمقاولات العمومية التي أصبحت تحت إشرافها ووصايتها، سيما وإن انتخابات 25 نونبر الماضي قد حظيت بقبول نتائجها من طرف كافة القوى السياسية التي ثمنت أجواء الشفافية والنزاهة التي عرفتها، وهذا مكسب جديد عزز الثقة بين الفاعلين السياسيين، ورسخ التفاؤل بمستقبل الديمقراطية ببلادنا.

*التنزيل الأمثل لمقتضيات الدستور

إننا اليوم أمام مرحلة جديدة تكتسي أهمية بالغة، هي بنفس أهمية المرحلة ما قبل إعداد الدستور الجديد أو أكثر ، لأنها ترتبط بالتنزيل الأمثل لمقتضياته، وبالشروع في استكمال المسلسل الانتخابي، وهذا ما يقتضي منا كحركة شعبية الانخراط بنفس الروح التي انخرطنا بها في المحطات السابقة من أجل تفعيل المضامين الدستورية ورفع تحديات ترسيخ النهج الإصلاحي لبلادنا.

ولعل من أبرز هذه التحديات حسم النزاع المفتعل حول مغربية الصحراء، وفي هذا الصدد لا بد من الإشارة إلى أن الجهود التي بذلها المغرب ومساعيه الجدية والمسؤولة لإيجاد حل سلمي لهذا النزاع، قد أثمرت توافقا دوليا يتسع يوما بعد يوم حول ضرورة اعتماد المقترح المغربي القاضي بمنح أقاليمنا الجنوبية حكما ذاتيا موسعا، بعد أن أيقن المنتظم الدولي بأن خلفيات قضية وحدتنا الترابية تحكمت فيها حيثيات خارجية ارتبطت بظروف الحرب الباردة وأطماع النظام الجزائري في التوسع والهيمنة على حساب الحقوق التاريخية والمشروعة لبلادنا.

لذلك فقد تعالت أصوات القوى الوازنة والمنظمات الدولية مطالبة الجزائر بالجلوس إلى طاولة الحوار مع المغرب، لتدليل العقبات، وتجاوز الخلافات من أجل التطبيع الكامل للعلاقات بين البلديين، والذي يعد المدخل الحقيقي لإعادة بناء الاتحاد المغاربي على أسس متينة، ليضطلع بدوره في خلق التعاون والاندماج الاقتصادي بين دول المنطقة، وتحقيق التنمية المنشودة لشعوبها.

وفي هذا السياق نود التأكيد لإخواننا الجزائريين على أن المغرب اليوم وأكثر من أي وقت مضى حريص أشد الحرص على تطبيع العلاقات بين البلدين الشقيقين، وتتملكه إرادة قوية للانتقال بهذه العلاقات إلى مستوى العلاقات الأخوية المتميزة التي لا يفرضها التاريخ والمصير المشترك للشعبين فحسب، بقدر ما يفرضها الواقع والتحديات التي تواجهها المنطقة المغاربية ومنطقة الساحل وجنوب الصحراء التي أصبحت مرتعا للمنظمات الإرهابية ومافيات تهريب الأسلحة والبشر، وما قد يترتب عن سقوط عدد كبير من العتاد والأسلحة التي وجدت طريقها إلى خارج التراب الليبي في أيديها من مخاطر كبرى قد تهدد السلم والاستقرار الإقليمي والدولي.

وفي انتظار احتكام النظام الجزائري للمنطق، والحكمة، ولغة العقل التي يتطلبها اتخاذ المواقف الشجاعة، فإننا وبقدر حرصنا على تعميق التقارب في وجهات النظر، نود التأكيد لأشقائنا الجزائريين على أن مسألة فتح الحدود لا ينبغي أن يتم قياسها بمكيال كم سأربح وكم سيربح الطرف الآخر، وان لا يتم تأويل سياسة اليد الممدودة التي ننهجها رغم ما يقابلها من فتور بخلفية  أو خلفيات معينة، لأن المغرب قادر بإجماعه الوطني وتماسك جبهته الداخلية من تحقيق الأهداف التي ينشدها بفضل الثقة التي يحظى بها من طرف شركائه ودعمهم لمساره الإصلاحي المتقدم.

*استكمال المسلسل الانتخابي

إن الدينامية التي أفرزها دستور فاتح يوليوز والآفاق الديمقراطية الواسعة التي فتحها، تجعلنا أمام مرحلة جديدة تؤسس للقطيعة مع مرحلة التوافقات التي طبعت مسيرة الانتقال الديمقراطي، وتشكل مدخلا حقيقيا للديمقراطية الفعلية التي يتم الاحتكام فيها إلى صناديق الاقتراع، على هذا الأساس ستشهد بلادنا خلال الأشهر القليلة المقبلة استكمال المسلسل الانتخابي الذي سيهم الانتخابات الجماعية والمهنية وانتخاب مجلس المستشارين، وستكون الاستعدادات لهذه الاستحقاقات مناسبة للأحزاب السياسية لوضع  الترتيبات الضرورية لإجرائها في أجواء مناسبة، وفتح الحوار حول متطلبات المرحلة لنجعل جميعا من هذه الانتخابات انطلاقة حقيقية نحو معالجة الإختلالات المجالية، والتصدي لمظاهر الهشاشة التي تعاني منها مناطق المغرب العميق، لأن تنمية هذه المناطق ـ والتي تشكل أولوية بالنسبة لحزبنا ـ تتطلب التعامل معها وفق مقاربة شاملة، مندمجة ومتكاملة، تستحضر ملاءمة السياسات العمومية مع الحاجيات الضرورية والملحة للمواطنين، والرفع من حجم وقيمة الاعتمادات المالية الموجهة للتجهيز والاستثمار بالعالم القروي.

فالخصاص الذي تعانيه هذه المناطق من حيث البنيات التحتية والخدمات، كلها عوامل فجرت سلسلة من الاحتجاجات في عدد من القرى والمراكز، مطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية وإنعاش الاقتصاد المحلي، ونحن في الحركة الشعبية إذ نتجاوب مع هذه المطالب التي طالما أكدنا سواء من موقعنا في الحكومات السابقة أو من موقع المعارضة على ضرورة معالجتها في إطار الاهتمام بالعالم القروي، من خلال تجاوز المنظور التجزيئي الذي اختزل تنميته في التنمية الفلاحية، فإننا لن نذخر جهدا من موقعنا في الحكومة الحالية على توجيه كامل الاهتمام لتلك المناطق وحث شركائنا على السرعة في المبادرة إلى اتخاذ كافة التدابير والإجراءات التي من شأنها طمأنة الساكنة القروية والتخفيف من معاناتها وتشجيعها على الانخراط في النهوض بأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية.

*التشويش على المسار الديمقراطي

تحاول بعض الأطراف والجهات المتطرفة التشويش على المسار الديمقراطي لبلادنا، في استغلال دنيء للحراك الذي تعرفه بعض المناطق من أجل الركوب على المطالب الاجتماعية المشروعة، وتحويلها إلى مطالب سياسية متجاوزة، استنكرها المواطنون، وترفضها القوى الوطنية الديمقراطية، وفي هذا الصدد ندعو الجميع حكومة ومعارضة للتوافق حول الصيغ المناسبة التي تضمن تحصين فضاء الحريات والتمتع بالحقوق في انسجام مع احترام القانون والتصدي لتلك الأطراف والأصوات النشاز التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار دون الإخلال باحترام حقوق الإنسان، كما ندعو المركزيات النقابية لتحمل مسؤولياتها في تقدير دقة المرحلة التي تجتازها بلادنا، لتنخرط بدورها في دينامية الإصلاح، باعتماد الحوار الجاد والمسؤول في إطار الحوار الاجتماعي مع الحكومة لحسم النقط العالقة في اتفاق 26 أبريل، بما يضمن عقلنة الإضرابات القطاعية التي تسارعت وتيرتها بشكل أصبح يضر  بالسير العادي للإدارات والمؤسسات العمومية، ويعطل مصالح المواطنين، علما أن الحكومة عازمة على تنفيذ التزاماتها وتحقيق المطالب المشروعة وفق ما تسمح به الإمكانيات المتاحة.

 سنحاول في هذا الإطار التسريع بإعداد قانون الإضراب بالتوافق بين كل الأطراف المعنية لتحديد الحقوق والواجبات كما هو منصوص عليها دستوريا.  

*تنتظرنا مهام تنظيمية في المرحلة المقبلة

فيما يرتبط بالوضع الداخلي للحركة الشعبية، وقبل الخوض في القضايا التنظيمية، وما ينتظرنا من مهام في المرحلة المقبلة، أود الإشارة إلى أن التراجع الذي عرفه حزبنا خلال الانتخابات التشريعية كان مرده بالأساس إلى الملابسات والحيثيات التي تلت الانتخابات التشريعية لسنة 2007 وصولا إلى الانتخابات الجماعية والمهنية لسنة 2009، والتي أتينا على ذكرها بالتفصيل في مناسبات سابقة، هذا بالإضافة طبعا إلى هشاشة تنظيماتنا المحلية في عدد من الأقاليم، وما ترتب عن بعض اختياراتنا من تداعيات سلبية كان من أبرزها انضمامنا للتحالف من أجل الديمقراطية (G8) .

ورغم هذه العوامل التي تحكمت في هذا التراجع فقد حافظنا على تمثيلية مشرفة في مجلس النواب، وحافظنا كذلك على معاقلنا التقليدية.

وتفعيلا لخلاصات المؤتمر الوطني 11 فيما يتعلق بتجديد النخب، فقد تميز حزبنا عن باقي الأحزاب الأخرى بتجديد لائحته النسائية جملة وتفصيلا، وإعداد هذه اللائحة ولائحة الشباب اعتمادا على معيار الكفاءة والتمثيلية الجهوية، كما أن الحزب قد رشح وجوها جديدة بنسبة مشرفة جدا، وكما تلاحظون اليوم فإن الفريق الحركي بمجلس النواب يزخر بطاقات وأطر كفئة شابة بإمكانها أن تقدم إضافات نوعية على مستوى العمل التشريعي.

وامتثالا لقرار المجلس الوطني في دورته الاستثنائية السابقة، اخترنا المشاركة في الحكومة الحالية لعدة اعتبارات أهمها: المساهمة في تنزيل مقتضيات الدستور من موقع الأغلبية، والاضطلاع بمسؤولياتنا في تدبير الشأن العمومي، لتحقيق أولويات برنامجنا سيما في ظل الصلاحيات الواسعة التي خولها الدستور للحكومة.

وبعيدا عن الانتهازية والمصلحة الحزبية الضيقة، وكعادتنا في التموقع في خندق المصلحة الوطنية، قبلنا بتولي مناصب صعبة، وانخرطنا بجد وصدق في تحمل مسؤولياتنا في احترام تام لضوابط العمل التشاركي ولميثاق الأغلبية، وسنحرص من جهتنا على تنفيذ كافة التزاماتنا تجاه الأغلبية، بدون أن يشكل لنا ذلك حرجا  في التعبير عن موقفنا وإبداء تحفظاتنا حيال ما قد يبدو لنا متعارضا مع توجهاتنا الإستراتيجية. واجتنابا للخلط بين المسؤولية الوطنية وواجب الإشراف على التدبير اليومي للحزب، كان لابد من القيام بتفويض هذا الإشراف، وقد تم بالفعل وبمصادقة أعضاء المكتب السياسي اختيار الأخ السعيد أمسكان للقيام بهذه المهمة الشاقة والصعبة، لما هو معهود فيه من رزانة وحكمة وكفاءة عالية على تدبير المرحلة متمنيا له النجاح والتوفيق.

*نعمل على رفع التحديات

إن مشاركتنا في الحكومة الحالية التي حظيت بدعم ملكي، ولقيت تجاوبا شعبيا غير مسبوق، وخلقت أجواء من التفاؤل، تجعلنا نستبشر خيرا في إعادة الثقة للمواطنين في العمل السياسي، وفي دور الأحزاب السياسية، وتتطلب منا في نفس الوقت أن نعمل على رفع التحديات التي تواجهها الحركة الشعبية، وتأهيلها لتكون قادرة على مسايرة التحولات والقيام بدورها كحزب أصيل ومنفتح، منبثق من رحم الشعب المغربي، يعكس طموحاته ويستجيب لانتظاراته، ويحافظ على الخصوصية الحضارية المغربية، والهوية الوطنية التي ينصهر في وحدتها تنوع المكونات والروافد الثقافية واللغوية، لأننا على يقين بأن هذه المرحلة تمثل فرصة سانحة لتقوية اللحمة الداخلية للحزب، وتهيئة شروط المصالحة بين الحركيات والحركيين، وإرجاع قاعدة واسعة تؤمن بالتوجهات الإستراتيجية للمشروع السياسي الحركي، فضلت الابتعاد في ظروف معينة ولأسباب أخرى الاشتغال خارج الحزب.

إن الحركة الشعبية اليوم في حاجة إلى كل أبناءها نساء ورجالا، شبابا وشيبا لأنها حزب يتسع للجميع.

 واعتبارا لمكانة الحركة الشعبية في المشهد السياسي الوطني، ولمتطلبات عقلنة عملها، وتقنين العلاقات الناظمة بين هياكلها التنظيمية الوطنية منها والمحلية الإقليمية والجهوية، فإننا سنعمد إلى التطبيق السليم للقانونين الأساسي والداخلي، ليكون مرجعيتنا في إرساء حكامة حزبية جديدة وحدها الكفيلة بتجاوز الاعتماد على منطق الأشخاص وتغليب منطق حزب المؤسسات.

 وهنا أود التأكيد على أننا لن نتساهل مرة أخرى مع أية تجاوزات قد تمس هذا التوجه الذي اخترناه منهاجا لا رجعة فيه منذ مؤتمرنا الوطني الأخير ، وإن اقتضى الحال فلا بد من إعمال مسطرة التأديب في حق كل عضو لم يمتثل لهذه الضوابط التنظيمية إعمالا لربط المسؤولية بالمحاسبة.

*تتبع عملية التجديد والتأسيس

إن المكتب السياسي وخلال كل اجتماعاته ما فتئ يركز على الجوانب التنظيمية للحزب، وخصوصا فيما يتعلق بهياكله المحلية والإقليمية التي تشكل الحلقة الأضعف بكل صدق، لذلك فقد قرر في إحدى اجتماعاته الأخيرة وضع جدولة زمنية لإتمام تجديد وتأسيس الفروع على الصعيدين المحلي والإقليمي، وقد أناط مهمة الإشراف على هذا الورش إلى بعض أعضائه الذين شرعوا فعلا في القيام بهذه المهمة من خلال تنقلهم إلى عدد من الأقاليم، لتتبع عملية التجديد والتأسيس، والتواصل مع مناضلاتنا ومناضلينا، وإذ نتمن هذه المجهودات فإننا نلتمس من كافة أعضاء المجلس الوطني أن ينخرطوا في هذه المرحلة، خصوصا ونحن على مشارف استحقاقات تتطلب تعبئة الجميع قيادة وقاعدة، واعتماد سياسة القرب من المواطنين وحسن الإصغاء إليهم.

أما فيما يخص التنظيمات الموازية والتي عرفت في البداية انطلاقة حماسية ومشرفة سرعان ما بدأ الفتور يتسرب إلى أنشطتها، فإننا ننتظر منها أن تعمل بالموازاة مع الحزب، وأن تطور من أساليب اشتغالها باعتمادها سياسة القرب، والانفتاح على الطاقات النسائية والشبابية القادرة على ضخ دماء جديدة في صفوفها وإقناعها بجدوى العمل السياسي والاشتغال من داخل المؤسسات، حتى تتمكن من تحقيق مطالبها وطموحاتها، وستجد تنظيماتنا الموازية دائما، في قيادة الحزب السند والدعم اللازمين للقيام بالدور المنوط بها.

إن هذه المهام المطروحة علينا في الشق التنظيمي لا ينبغي أن تنسينا واجبنا تجاه القضايا الكبرى التي ناضلنا من أجلها منذ عقود، وعلى رأسها القضية الأمازيغية لغة وثقافة، لأننا نعتبر أن ترسيمها في الدستور، ورغم أهميته، لا يعد هدفا في حد ذاته بل مدخلا لإدماجها الشامل في كل مناحي الحياة العمومية والعامة، عبر أجرأة مقتضيات الدستور وإشراك كل الفاعلين من جمعيات وباحثين في إطار ما تقوم به الجامعة الشعبية في هذا الشأن.

كما أننا مدعوون كذلك إلى صياغة برنامج واضح ومدقق وقابل للتنفيذ بخصوص تنمية العالم القروي والذي خصصنا له من أجل هذه الغاية جامعة المجال القروي لتكون مجالا للتداول والنقاش بين الأطر الحركية والمختصين.

*ترسيخ دولة المؤسسات والحق والقانون

تعيش منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط على إيقاع التحولات المتسارعة منذ إندلاع شرارة الربيع العربي مطلع السنة الماضية، وكما عبرنا دائما عن تضامننا المطلق مع المطالب المشروعة للشعوب وعن مساندتنا لنضالاتها من أجل الديمقراطية وترسيخ دولة المؤسسات والحق والقانون، فإننا ندعو كافة القوى الحية العربية والمغاربية لرصد الصفوف وتقدير حجم المخاطر للتعاون المشترك والمثمر من أجل إنجاح الانتقال الديمقراطي في بلدانها، بما يضمن تحقيق وحدة المصير المشترك لأن منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا تزخر بطاقات بشرية وموارد طبيعية بإمكانها أن تخلق القفزة النوعية وتساهم في تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لشعوبها واستتباب الأمن والاستقرار .

وفي هذا السياق فإننا ندعو النظام السوري إلى الوقف الفوري للمجازر الشنيعة التي يرتكبها في حق مواطنيه الأبرياء، وفتح حوار جاد ومسؤول مع كافة أطياف المعارضة في إطار المبادرة العربية من أجل وضع حد للنزيف الذي تعرفه سوريا الشقيقة والذي ينذر بتطورات خطيرة قد تفتح المجال أمام حرب أهلية مشؤومة ستكون لها تداعيات سلبية على دول الجوار، كما نؤكد رفضنا لأي تدخل عسكري دولي من شأنه أن يقوض فرص الحلول السلمية، ويدفع بالمنطقة إلى حرب هي في غنى عنها.

وبقدر ما نتمنى لأشقائنا في ليبيا واليمن لملمة الجراح وتحقيق المصالحة الضرورية بين مختلف الفرقاء، صونا للوحدة الوطنية، فإننا نثمن عاليا التجربتين التونسية والمصرية اللتين نجحتا في تجاوز المرحلة الانتقالية بسلام.

ونتمنى كذلك أن ينجح مؤتمر القمة العربية ببغداد في التوصل للحلول والصيغ الممكنة التي من شانها أن توحد الجهود على أهداف مشتركة وبأجندة محددة، لإقامة سوق عربية وتسريع وتيرة وحجم المبادلات التجارية للارتقاء بالجامعة العربية إلى مستوى الاتحادات الإقليمية التي قطعت أشواطا كبيرة في الاندماج الاقتصادي بين دولها.

*إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة

وفي ذات السياق لا يفوتني أن اعبر باسم كافة الحركيات والحركيين على التنديد الشديد بسياسة التوسع الاستيطاني ومصادرة الممتلكات الفلسطينية التي تنهجها إسرائيل في تحد سافر ومفضوح لقرارات الأمم المتحدة، وان نحذر الكيان الإسرائيلي من مغبة المساس بالمقدسات الإسلامية وتغيير معالم مدينة القدس عاصمة الأديان السماوية ومركز التسامح والسلام، كما نطالب مجلس الأمن بالضغط على إسرائيل من أجل الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع السلطة الفلسطينية للتوصل إلى الحل المفضي إلى إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشريف.

أملي أن تتكلل أشغال هذه الدورة بالنجاح والتوفيق، ومع خالص مودتي تقبلوا أخواتي إخواني فائق التقدير والاحترام.     

ريبورتاج مصور                

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى